صديق الحسيني القنوجي البخاري
129
أبجد العلوم
لا أستلذ بغير وجهك منظرا * وسوى حديثك لا أريد سماعا قف هؤلاء المترجمون هم نقاوة الحفاظ ، ولعلنا قد أهملنا خلقا كثيرا من نظرائهم ، فإن المجلس الواحد في ذلك الزمان كان يجتمع فيه أزيد من عشرة آلاف محبرة يكتبون الآثار النبوية ويعتنون بهذا الشأن ، وبينهم نحو من مائتي إمام قد برزوا وتأهلوا للفتيا ، ثم اندرج أصحاب الحديث وتلاشوا وتبدل الناس بطلبة يهزأ بهم أصحاب الحديث والسنّة ، ويسخرون منهم ، وصار علماء الأعصار وفضلاء الأمصار في الغالب عاكفين على التقليد في الفروع من غير تحرير لها ، مكبين على عقليات من حكمة الأوائل وآراء المتكلمين من غير أن يتعقلوا أكثرها ، فعمّ البلاء واستحكمت الأهواء ، ولاحت مبادي رفع العلم وقبضه من الناس ، فرحم اللّه امرأ أقبل على شأنه ، وقصر من لسانه ، وأكب على تلاوته قرآنه وبكى على زمانه ، وأدمن النظر في الصحيحين وعبد اللّه قبل أن يأتيه الأجل اللهم فوفق وارحم . قال الذهبي في الطبقات في آخر تراجم أهل الطبقة التاسعة ولقد كان في ذلك العصر ، وما قاربه من أئمة الحديث النبوي في الدنيا خلق كثير ما ذكرنا عشرهم هاهنا ، وأكثرهم مذكورون في تاريخي الكبير ، وكذلك كان في هذا الوقت خلق من أئمة أهل الرأي والفروع وعدد كثير من أساطين المعتزلة والشيعة وأصحاب الكلام الذين مشوا وراء المعقول ، وأعرضوا عما عليه السلف من التمسك بالآثار النبوية ، وظهر في الفقهاء التقليد وتناقض الاجتهاد فسبحان من له الخلق والأمر . فباللّه عليك يا شيخ ارفق بنفسك والزم الإنصاف ، ولا تنظر إلى هؤلاء النذر الشرر ، ولا ترمقنهم بعين النقص ، ولا تعتقد فيهم أنهم من جنس محدثي زماننا ، حاشا وكلا ، فما فيمن سميت أحد وللّه الحمد إلا وهو بصير بالدين عالم بسبيل النجاة وليس في كبار محدثي زماننا أحد يبلغ رتبة أولئك في المعرفة فإني أحسبك لفرط هواك وسعة جهلك تقول بلسان الحال أن أعذرك المقال من أحمد ، وما ابن المديني ، وأيّ شيء أبو زرعة ، وهؤلاء المحدثون لا يدرون الفقه ولا أصوله ، ولا يفقهون الرأي ولا علم لهم بالبيان والمعاني ولا الدقائق ، ولا خبرة لهم بالبرهان والمنطق ، ولا يعرفون اللّه تعالى بالدليل ، ولا هم من فقهاء الملة فاسكت بحلم أو انطق بعلم ، فالعلم النافع هو ما جاء عن أمثال هؤلاء ولكن نسبتك إلى أئمة الفقه كنسبة محدثي عصرنا إلى أئمة الحديث ، فلا نحن ولا أنت ، وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذو الفضل ، فمن اتقى راقب اللّه واعترف بنقصه ، ومن تكلم بالجهل أو بالجاه وبالشرف فاعرض عنه وذره وغيّه فعقباه إلى وبال ، نسأل اللّه العفو والعافية انتهى كلامه ملخصا .